الشيخ محمد رشيد رضا

162

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحفظ والكتابة معا هو القرآن ، والنبي الوحيد الذي نقل تاريخه بالروايات المتصلة الأسانيد حفظا وكتابة هو محمد ( ص ) فالدين الوحيد الذي يمكن للعلماء المستقلين في الفهم والرأي ان يعقلوه ويبنوا عليه حكمهم هو الاسلام . وأما خلاصة ما يمكن الاعتراف به من الأديان السابقة لثبوت قضاياه الاجمالية بالتواتر المعنوي ، فهو انه وجد في جميع أمم الحضارة القديمة دعاة إلى عبادة اللّه تعالى وإلى العمل الصالح وإلى ترك الشرور والرذائل منهم أنبياء مبلغون عن اللّه تعالى مبشرين ومنذرين ، كما أنه وجد فيهم حكماء يبنون ارشادهم على الاحتجاج بما ينفع الناس ويضرهم بحكم العقل والتجربة - ووجد في جميع ما نقل عن الفريقين أمور مخالفة للعقل ولما ينفع الناس ، وأمور خاصة بأهلها وبزمانهم ، وخرافات ينكرها العقل وينقضها العلم وإذ كان الاسلام ونبيه هو الدين الوحيد الذي عرفت حقيقته وتاريخه بالتفصيل فإننا نذكر هنا شبهة علماء الإفرنج الماديين ومقلدتهم عليه ، بعد مقدمة في شهادتهم الاجمالية له ، تمهيدا لدحض الشبهة ، ونهوض الحجة ، فنقول : ( درس علماء الإفرنج للسيرة المحمدية وشهادتهم بصدقه صلّى اللّه عليه وسلّم ) درس علماء الإفرنج تاريخ العرب قبل الاسلام وبعده على طريقتهم في النقد والتحليل ، ودرسوا السيرة النبوية المحمدية وفلوها فليا ونقشوها بالمناقيش ، وقرؤا القرآن بلغته وقرؤا ما ترجمه به أقوامهم ، وكانوا على علم محيط بكتب العهدين القديم والجديد ، وتاريخ الأديان ولا سيما الديانتين اليهودية والنصرانية ، وبما كتبه المتعصبون للكنيسة من الافتراء على الاسلام والنبي والقرآن مما أشرنا إلى بعضه آنفا ، فخرجوا من هذه الدروس كلها بالنتيجة الآتية : ( ان محمدا كان سليم الفطرة ، كامل العقل ، كريم الاخلاق ، صادق ) ( الحديث ، عفيف النفس ، قنوعا بالقليل من الرزق ، غير طموع بالمال ولا ) ( جنوح إلى الملك ، ولم يعن بما كان يعنى به قومه من الفخر ، والمباراة في تحبير ) ( الخطب وقرض الشعر ، وكان يمقت ما كانوا عليه من الشرك وخرافات ) ( الوثنية ، ويحتقر ما يتنافسون فيه من الشهوات البهيمية ، كالخمر والميسر )